العلاقـــات السوريـــة الإيرانيـــة والثورة الإسلامية وقائدها الراحل

تمهيـد:
تتجاوز العلاقات التاريخية التي تربط إيران بالمنطقة العربية حدود المصالح الآنية، إذ إنها تنطلق من وحدة العقيدة الإسلامية ووحدة الهدف والمصير، التي تحتم التقاء جناحي الأمة الإسلامية من عرب وإيرانيين في مواجهة التهديدات والمخاطر التي عصفت وما تزال تعصف بالعرب والمسلمين لا سيّما في هذه المرحلة البالغة الدقة والخطورة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001 التي شهدتها واشنطن ونيويورك والحرب الأمريكية ضدّ ما يسمى «الإرهاب»، وتداعيات هذه الحرب دولياً وإقليمياً، ومنعكساتها الخطيرة على العرب والمسلمين.
لقد أدرك القائد الخالد حافظ الأسد بقراءته الصحيحة للتاريخ وتحليله الدقيق للحاضر واستشرافه الواعي للمستقبل مدى التحول الجذري لإيران من لحظة انتصار ثورة الإمام الخميني عام 1979 وانتقالها من قوة معادية للعرب وحليف استراتيجي لإسرائيل يقوم بدور الشرطي للمصالح الأمريكية والصهيونية في المنطقة، إلى قوة صديقة للعرب وحليفة لكل المسلمين تدعم نضال الشعوب واستقلالها في مواجهة الهيمنة الاستعمارية.
وفي المقابل أدركت القيادة الإيرانية بقيادة الإمام الخميني موقع سورية وأهميتها ومكانتها في النضال ضدّ المشروع الصهيوني التوسعي، وما ترتب عليها من أعباء ومسؤوليات جسام تحملتها سورية منفردة بعد توقيع اتفاق كامب ديفيد 1979 بين مصر وإسرائيل.
ورغم كل الجراح التي أصابت الثورة الإيرانية جراء الحرب العراقية ـ الإيرانية، ورغم كل التحديات والمؤامرات العالمية والإقليمية التي حيكت ضدّ الثورة الإسلامية، حافظت إيران على مواقفها المبدئية حيال القضايا المصيرية للأمة العربية والإسلامية وفي مقدمتها قضية فلسطين، الأمر الذي عزز العلاقات الإيرانية ـ السورية التي اجتازت كل الاختبارات بنجاح، وانتقلت هذه العلاقات إلى مواقع الوفاق والتطابق في الكثير من المواقف في مواجهة التحديات الخارجية الأمريكية والصهيونية التي تهدد المنطقة، كما غدت العلاقة السورية ـ الإيرانية جسراً حيوياً لتطوير العلاقات بين إيران والعرب وانعكست إيجاباً على علاقة إيران بدول الخليج العربي ومصر، لاسيما بعد المشاركة الواسعة والفعالة للدول العربية في مؤتمر القمة الإسلامية في دورته الثامنة الذي انعقد في طهران في أواخر عام 1997، والزيارات المتبادلة بين سورية وإيران على مختلف المستويات وكان آخرها زيارة السيد الرئيس
بشار الأسد إلى طهران في كانون الثاني
2001، وما أعطت هذه الزيارة من زخم جديد للعلاقات السورية ـ الإيرانية.
 
أولاً ـ العلاقـات السوريـة ـ
الإيرانية قبل الثورة وبعدها
1 ـ العلاقات السورية ـ الإيرانية قبل الثورة الإسلامية 1979:
كان منطلق سورية في سياستها الخارجية وعلاقاتها مع الدول الأخرى ـ وما يزال ـ مرتكزاً على جملة من الثوابت المبدئية، يأتي في مقدمة هذه الثوابت الموقف من الصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، ودعم حقوق الشعب العربي في استعادة أرضه وحقوقه المغتصبة، وكانت علاقات سورية مع الدول الأخرى تشهد تطوراً أو تراجعاً تبعاً لمواقف هذه الدول أو تلك من الثوابت حيال القضايا المصيرية للأمة العربية، هذا النهج أرساه القائد الخالد حافظ الأسد، وأصبح أحد أبرز سمات السياسة الخارجية السورية، ومايزال هذا النهج، فسورية وفيّة لنهج القائد الخالد بقيادة الرئيس
بشار الأسد، وهذه القاعدة تنطبق على العلاقات السورية ـ الإيرانية في مراحلها المختلفة.
بعد مضي سنتين على قيام الكيان الصهيوني، أعلنت حكومة الشاه عام 1950 عن اعترافها بإسرائيل، ومنذ ذلك الحين إلى قيام الثورة الإسلامية 1979 تطورت علاقات إيران الشاه بإسرائيل تطوراً ملحوظاً في مختلف المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية والأمنية إلى درجة التحالف الاستراتيجي بينهما باستثناء فترة قصيرة في التاريخ (حكومة مصدق 1953-1951).
أضف إلى ذلك، فإن تقاطع مصالح الشاه مع مصالح الإمبريالية والاستعمار، وقبول الشاه أن يضطلع بدور الشرطي في منطقة الشرق الأوسط، وأن يكون الحليف لإسرائيل ويمدها بكل أسباب قوة العدوان ويدعمها سياسياً في المحافل الدولية، لكل هذه الأسباب ومواقف حكومة إيران ما قبل الثورة كان الموقف السوري، الذي يتناقض كلياً مع نظام الشاه وسياسته وتحالفاته الإقليمية التي باتت تشكل خطراً وتهديداً للأمن القومي العربي بشكل عام وأمن منطقة الخليج بشكل خاص.
2 ـ العلاقة السورية الإيرانية بعد الثورة الإسلامية 1979:
ثمة حقيقة تاريخية لابدّ من ذكرها، وهي أنّ سورية بقيادة القائد
الخالد حافظ الأسد كانت أول دولة تعلن عن تأييدها للثورة حين بدأت إرهاصاتها الأولى تظهر ضدّ نظام الشاه، وتدعمها بكل الوسائل الممكنة، ولم تتردد في مناصرتها وفي الرهان على حتمية انتصارها، وقد ربحت الرهان في نهاية المطاف.
إن الموقف السوري حيال هذه الثورة لم ينطلق من فراغ، بل كما قال القائد الخالد حافظ الأسد(1) «لقد وقفنا إلى جانب الثورة الإسلامية منذ يومها الأول، مثلما وقفت الثورة الإسلامية الإيرانية وقفة دعم وتأييد لنضالنا العادل منذ البداية.. ».
فسورية التي رأت في نظام الشاه أداة في خدمة التحالف الإمبريالي والصهيوني، فإنها في الوقت ذاته رأت في انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية انتصاراً ليس لإيران وشعبها فحسب، بل لمجموعة شعوب المنطقة وحركات تحررها الوطني والقومي وفي طليعة هؤلاء جميعاً حركة التحرر العربي بحكم تناقضها التاريخي مع نظام الشاه، وبحكم زوال هذا التناقض مع إيران الثورة ونظامها الجديد.
وقد أحدث قيام الثورة الإسلامية الإيرانية «1979» انقلاباً استراتيجياً في معادلة الدور الإيراني ضمن سياق النهج الإمبريالي المعمول به منذ أوائل خمسينيات القرن العشرين المنصرم، بهدف احتواء منطقة الشرق الأوسط والسيطرة على منابع النفط، فمع انتصار هذه الثورة انهارت أهم قلاع الإمبريالية العالمية ممثلة بنظام الشاه ودوره، وانتقلت إيران من الخندق المعادي للعرب والمسلمين إلى الخندق الداعم لقضاياهم الأساسية.
ويعتبر عام 1979 عام قيام الثورة الإسلامية نقطة مميزة، وبداية حقيقية لعهد جديد في تاريخ العلاقات السورية ـ الإيرانية، يختلف اختلافاً جذرياً عن العهود السابقة(2) بأُسسه ومكوناته وشموليته وقضاياه، ولقد مضى على هذا العهد أكثر من عقدين من الزمن، مرّت العلاقات السورية ـ الإيرانية بمراحل مختلفة وتعرضت لاختبارات كثيرة، لكنها اجتازتها جميعها، وخرجت هذه العلاقات أكثر صلابة في ظروف الأحداث والتطورات والتحولات العاصفة في المنطقة، والتي جعلت من هذه العلاقات بين إيران وسورية أنموذجاً يحتذى به في العلاقات
بين الدول.
لقد أدركت السياسة الاستعمارية هذا التحول في الدور الإيراني بعد الثورة الإسلامية 1979 وما يشكله من خطر على مصالحها، فافتعلت الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات (1988-1980).
إلا أن سورية وعت مخاطر الحرب العراقية الإيرانية ومنعكساتها السلبية على مجرى الصراع العربي ـ الصهيوني وحقائقه الأساسية، في ظروف بالغة الصعوبة بعد حرب تشرين التحريرية والمحاولات الأمريكية ـ الصهيونية للالتفاف على نتائج هذه الحرب وإفراغها من مضمونها من خلال الصفقات الانفرادية مع بعض الأنظمة العربية، وهذا ما حصل في اتفاقية كامب ديفيد 1979 وما ترتب عليها من نتائج كارثية على ميزان القوى بين العرب وإسرائيل، لتضيف الحرب العراقية ـ الإيرانية مزيداً من الخلل على هذا الميزان، المختل أساساً لصالح إسرائيل بخروج مصر من معادلة الصراع العربي ـ الصهيوني.
وانطلاقاً من هذا، كان موقف سورية من الحرب المفتعلة موقف الرفض لهذه الحرب، والأهداف التي فجرت من أجلها، والعمل على منع امتدادها وتطورها، والضغط بكل الإمكانات من أجل وقفها حقناً للدماء العربية والإيرانية وانتصاراً لقضايا النضال ومصالح الشعبين في العراق وإيران.
وبسبب هذا الموقف القومي والجريء حيال الحرب العراقية ـ الإيرانية تعرضت سورية لضغوط (1) عديدة مختلفة الأشكال والألوان، كشفت حقيقة هذه الحرب التي أريد لها أن تجر الدول العربية إلى مواقع ومعارك هامشية، وظلت سورية على مواقفها المبدئية لا تثنيها رياح أو عواصف عن تلك المواقف التي تخدم الأمة العربية والإسلامية.
وبهذا الموقف الجريء المعارض للحرب، تكتمل ملامح الموقف العربي السوري الذي شكل أساساً لنمو العلاقات السورية ـ الإيرانية وتطورها، إلى أن بلغت ما بلغته من المتانة والقوة، ثمّ جاءت زيارة القائد الخالد
حافظ الأسد إلى إيران
1990، والزيارات التي قام بها الرؤساء الإيرانيون إلى دمشق بدءاً من عام 1991، وتبادل الوفود وتشكيل اللجان على مختلف مستوياتها لتؤكد جميعها عمق العلاقات السورية الإيرانية وصلابتها وقدرتها على تجاوز كل الاختبارات التي تعرضت لها.
أضف إلى ذلك فإنّ التطابق في مواقف البلدين حيال التطورات والتحالفات التي شهدتها المنطقة بعد حرب الخليج الثانية، وبعد مؤتمر مدريد للسلام 1991، وفي مقدمتها الاتفاق العسكري الإسرائيلي التركي والأخطار الناجمة عن هذا الاتفاق، علاوة على التدخل العسكري التركي في شمالي العراق، وتواجد القوات العسكرية التركية على أراضيه، والوقوف في وجه التهديدات الإسرائيلية الأمريكية (عملية عناقيد الغضب في العدوان الإسرائيلي على لبنان 1996) والإدراك المشترك للأخطار المترتبة على هذه التهديدات والاعتداءات، كل ذلك عزز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين خاصة بعد زيارة القائد الخالد حافظ الأسد إلى إيران في تموز 1997 واستضافة إيران لأعمال مؤتمر القمة الثامنة لمنظمة المؤتمر الإسلامي / كانون الأول عام 1997 / والكلمة السياسية الهامة للقائد الخالد حافظ الأسد أمام المؤْتَمِرين باسم المجموعة العربية، التي برز فيها بشكل واضح تقاطع في المواقف الجوهرية السورية ـ الإيرانية حيال القضايا الأساسية المصيرية للأمة العربية والإسلامية، وأسفرت جميع هذه الجهود عن موقف إسلامي داعم لدمشق في نضالها، وحث تركيا على إعادة النظر في تعاونها العسكري مع إسرائيل.
كما جاءت زيارة الرئيس الإيراني السيد محمد خاتمي إلى دمشق 1999 وتوقيع العديد من الاتفاقات في مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية والسياسية والتجارية والسياحية والصحية والرياضية، ثمّ زيارة الرئيس الدكتور بشار الأسد إلى إيران في كانون الثاني «2001» لتشكل نقلة جديدة في تعميق العلاقات الاستراتيجية السورية ـ الإيرانية التي أرسى دعائمها القائدان حافظ الأسد والإمام الخميني، لتكون الأنموذج الذي يحتذى به في العلاقات بين الدول.
3 ـ مرتكزات العلاقات السورية ـ الإيرانية:
أصبح من المعروف للقاصي والداني أنّ سورية تقيم علاقاتها مع دول العالم استناداً إلى جملة من الأسس والمبادئ التي أصبحت ثوابتاً في النهج السياسي لسورية، وهذه الثوابت هي التي تحدد القرب أو البعد من هذه الدولة أو تلك.
من هذه الرؤية يجب أن ندرك أنّ علاقات سورية مع إيران منذ قيام ثورتها 1979 وحتى اليوم والتي وصلت إلى ما وصلت إليه من مستوى رفيع، استندت إلى المرتكزات التالية، بالإضافة إلى كونها علاقات قائمة على أساس الاحترام المتبادل ومصلحة الشعبين السوري والإيراني وهذه المرتكزات هي:
آ ـ العداء للصهيونية والهيمنة الاستعمارية:
بعد الثورة الإسلامية عام 1979 التي أكدت أنّ الصهيونية عنصرية ومعادية للعالم وتشكل خطراً على الإسلام، وهي مصدر توتر، وقوة عدوان في المنطقة لذلك يجب مواجهتها والتصدي لها.
كما أنّ العداء للقوى الاستعمارية التي عمدت إلى خلق مقولة الخطر الإيراني المزعوم ضدّ العرب، فافتعلت هذه القوى حرب الثماني سنوات بين العراق وإيران، كما عملت على توتير الأجواء في الخليج بحيث يساعدها هذا المناخ على الاحتفاظ بمواقعها هناك تحت ذريعة الدفاع ضدّ «الخطر الإيراني»... وكان موقف هذه القوى الاستعمارية ناجماً عن موقف الثورة الإسلامية التي وجهت ضرباتها إلى هذه القوى منذ لحظة انتصارها.
ب ـ الدعم والمساندة لقضايا العرب بشكل عام والقضية الفلسطينية بشكل خاص:
لقد وقفت إيران منذ انتصار ثورتها 1979 موقفاً مؤيداً وداعماً لقضايا العرب الأساسية المصيرية، واعتبرت الثورة في إيران أنّ قضية فلسطين من أهم القضايا بالنسبة لها، فكرست جهودها وإمكاناتها لدعم هذه القضية في المحافل الدولية وحتى في ميادين المواجهة.
وسيظل التاريخ يحتفظ بذاكرته ذلك الموقف المشرف للثورة الإسلامية وقائدها الإمام الخميني حيال القضية الفلسطينية منذ اللحظة الأولى لانتصارها، عندما قامت بإلغاء السفارة الإسرائيلية وطرد البعثة الدبلوماسية، وقدَّمت مبنى هذه السفارة إلى منظمة التحرير الفلسطينية باسم «سفارة فلسطين» مؤكدة حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني وعاصمتها القدس الشريف وحق جميع اللاجئين في العودة والتنديد بإجراءات إسرائيل لتهويد المدينة المقدسة.
كما وقفت إلى جانب المقاومة الوطنية اللبنانية ضدّ المحتل الإسرائيلي، ولم تدخر أية وسيلة في دعم هذه المقاومة، وقدمت كل أشكال المساعدة إلى أن تكللت هذه المقاومة بإخراج المحتل الإسرائيلي من جنوب لبنان وطرده مهزوماً في أيار عام /2000/.
كما واصلت الثورة الإسلامية الإيرانية تقديم كل أشكال المساعدة للشعب العربي الفلسطيني من أجل استعادة حقوقه المشروعة، فوقفت إلى جانبه في انتفاضته الأولى عام /1987/، كما وقفت إلى جانبه في انتفاضة الأقصى أيلول /2000/، بصرف النظر عن موقفها حيال اتفاق أوسلو 1993، فاستضافت مؤتمراً دولياً لدعم انتفاضة الأقصى، عقد في طهران (نيسان 2001)، وكان الهدف من هذا المؤتمر دراسة الوسائل والسبل لدعم الانتفاضة وتنبيه الرأي العام العالمي إلى خطر الإبادة الجماعية التي تقوم بها الصهيونية ضدَّ الشعب العربي الفلسطيني وفضح أساليبه الفاشية والعنصرية التي يمارسها الكيان الصهيوني، وقد أولت الثورة في إيران هذا المؤتمر أهمية خاصة، فألقى كل من مرشد الثورة السيد علي خامنئي والسيد محمد خاتمي رئيس الجمهورية كلمتين أكدا فيها من جديد دعم إيران حكومة وشعباً للشعب العربي الفلسطيني في انتفاضته وكفاحه العادل والمشروع لاستعادة أرضه وحقوقه المغتصبة.
ج ـ الدور الإقليمي والفاعل لسورية وإيران في المنطقة:
إنّ هذا المرتكز يمنح العلاقات السورية ـ الإيرانية ثقلاً سياسياً واستراتيجياً يعزز مكانة الدولتين إقليمياً ودولياً.
فالدور الإقليمي الفاعل لكل من سورية وإيران في المنطقة حال دون تمرير مجموعة من المشاريع، ووقف في وجه التحالفات المعادية للعرب والمسلمين، وأعاد بعض التوازن إلى معادلات كانت قائمة واختلت بفعل الأحداث والتطورات التي عرفتها المنطقة في العقود الأخيرة من القرن العشرين المنصرم.
كما أنّ هذا الدور الإقليمي الفاعل والمؤثر لكلا الدولتين كان له الأثر الإيجابي في تجاوز بعض الأزمات وضبطها، والحد من تفاعلاتها وحصرها (كالأزمة بين إيران ودولة الإمارات العربية وبقية دول الخليج). أضف إلى ذلك ما قامت به سورية من دور في التقارب العربي الإيراني، فلولا ثقل سورية ومكانتها لدى أشقائها العرب بفعل التضامن العربي الذي أرسى قواعده القائد الخالد حافظ الأسد من جهة، وعلاقاتها المتميزة مع إيران لما فُتحت الأبواب أمام مصالحات عربية ـ إيرانية أدت في النهاية إلى علاقات مع هذه الدول وتشكيل جبهة متراصة لمواجهة التحديات التي يتعرض لها العرب والمسلمون خاصة أنهم اليوم وبعد أحداث الحادي عشر من
أيلول
2001 باتوا مستهدفين من قبل قوى الاستكبار وفي طليعتها الولايات المتحدة الأمريكية والصهيونية وحلفاؤها التي تشن حرباً على ما تسميه «الإرهاب».
ويشير المشهد السياسي العام إلى امتدادات هذه الحرب التي وجدت ذرائعها في «الإرهاب» لتحقيق المصالح الجيواستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية في العالم، وليس صعباً على العقل الأمريكي الصهيوني اختلاق الذرائع [كقضية السفينة كارين التي زعموا أنها تحمل أسلحة من
إيران إلى السلطة الفلسطينية وتفاعلاتها تلك الأيام على سبيل المثال لا الحصر] من أجل فرض سيطرتها وإحكام هذه السيطرة على العالم بوسائل
العنف والقوة.
من هذه الرؤية وهذا المنطق فإنّ الدور الإقليمي الفاعل لسورية وإيران يشكل أحد المرتكزات الهامة في العلاقات السورية ـ الإيرانية بما يخدم قضايا العرب والمسلمين.
 
ثانياً ـ  مقدمات الثورة الإسلامية الإيرانية
والظروف الإقليمية والدولية التـي قامت بها
1 ـ الظروف الإقليمية والدولية المحيطة بالثورة:
تركزت السياسة الأمريكية الشرق أوسطية منذ بداية الستينيات من القرن العشرين المنصرم وحتى عام 1978  على ذراعين طويلتين لحفظ مصالحها في المنطقة: هما الكيان العنصري الصهيوني، وإيران الشاهنشاهية. وقد سعت الولايات المتحدة بكل ما أمكن لتزويد هاتين الذراعين بمختلف أنواع الأسلحة، وتحويلهما إلى ترسانة عسكرية متقدمة قادرة على بسط الهيمنة برمتها، الأمر الذي مكّن الكيان الصهيوني من شن اعتداءات ضدّ أبناء الأُمة العربية والتوسع جغرافياً على حساب أراضي العرب وحقوقهم، كما تمكن شاه إيران من فرض الهيمنة على دول الخليج والتدخل في شؤونها الداخلية، والأمثلة على ذلك كثيرة  نكتفي منها بالتذكير بما قامت به قوات الشاه من جرائم ومجازر عندما دخلت بعض القطعات العسكرية الشاهنشاهية إلى عُمان لسحق ثورة الشعب العُماني عام 1973.
لقد اتخذت إيران أهميتها قبيل الثورة من اعتماد الولايات المتحدة الأمريكية عليها ومحاولة فرضها كشرطي في المنطقة للحفاظ على مصالحها في منطقة تتميز بأهمية استراتيجية لجميع القوى المتنفذة في العالم، والحديث عن الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط أمر مسلم به فهي بمثابة القلب، ولذا أصبحت السيطرة عليها تعني السيطرة على أهم مياه العالم من النواحي السياسية والاقتصادية والعسكرية كما تعني أيضاً الوصول إلى المحيط الهندي والبحر الأحمر والبحر المتوسط والخليج والبحر الأسود وغيرها من المياه الإقليمية التي تحولت إلى أوكار للأساطيل العسكرية الأمر الذي ولّد قناعة مطلقة بأنّ أية قوة تستطيع الهيمنة على المنطقة بإمكانها الإخلال بتوازن القوى لصالحها في جميع المناطق، وغنيٍّ عن القول أن المنطقة تمتلك مصادر أساسية كالبترول والنحاس والفحم الحجري وهي تقوم بتأمين 50% من حاجة العالم إلى الطاقة، وقد أدت إيران الشاه دورها على الوجه الأكمل فكانت تمارس على أرض الواقع مقولة «إيران شرطي الخليج» وكانت بمثابة السد الكبير الذي يحول دون امتداد الخطر الشيوعي عبر مساحة حدودية كبيرة مع الاتحاد السوفييتي، وفضلاً عن ذلك فقد اتخذت إيران أهميتها من كونها أقوى دولة في المنطقة وأكثرها عدداً من حيث السكان إضافة إلى كونها حلقة وصل بين حلفي الناتو والسينتو(1) في جنوب شرق آسيا. وكان الشاه يقوم بتأمين نفقات هذا الحلف لإكمال حلقة محاصرة الاتحاد السوفييتي حيث أُقيمت محطات التنصت والتجسس الأمريكية في الأراضي الإيرانية لمعرفة كل ما يجري من تحركات على الأراضي السوفييتية.
إنّ تكثيف الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط يعتبر فصلاً أساسياً في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، ولذلك فقد كانت حريصة على تعزيز وجودها من خلال إيران لأنّ ذلك يؤمن لها تحقيق أهداف عدة بآن معاً، فإيران قوة بحرية ذات شريط ساحلي طويل يمتد لمسافة 1500 ميل ويشمل الشاطئ الشمالي للخليج بكامله فضلاً عن سيطرة إيران على مضيق هرمز الاستراتيجي، كما أنّ الولايات المتحدة كانت تدرك أهمية وقوع إيران على تخوم القوة الأولى المهددة لسياستها بشكل عام وفي الخليج بشكل خاص، ولهذا أخذت تنظر إلى إيران على أنها محميتها في المنطقة، وقد استطاعت أمريكا من خلال نشاط مخابراتها أن تكون ولي أمر الإمبراطورية الإيرانية مع بداية حكم أسرة الشاه، وأن ترسم الخطوط التي كان على الشاه الإيراني الالتزام بها، وهكذا كانت السفارة الأمريكية في طهران بمثابة العصب الرئيس للتحكم في مجريات الأحداث في المنطقة وتحولت السفارة الأمريكية إلى مخفر شرطة بعد أن عهدت بدور شرطي الخليج لحكومة الشاه، ولهذا كانت حريصة كل الحرص للحفاظ على نظام حكمه ودوام استمراريته، وبكلام مختصر يمكن القول أنّ إيران خلال الستينيات والسبعينيات من عهد الشاه كانت بمثابة حقل لاختبار نظرية أمريكية للتحديث تتضمن دراسة إمكانية انتقال دولة من دول العالم الثالث إلى العالم الأول الرأسمالي، وكان الأمريكيون يريدون دمج إيران بالنظام الرأسمالي في مراحله المتطورة بأسرع ما يمكن وعلى حساب كل شيء، إلا أنّ هذه التجربة قد سقطت بسقوط الشاه.
2 ـ مقدمات الثورة:    
كانت إيران قبيل الثورة أشبه ببرميل بارود قابل للانفجار الذي كان يتوقع أن تعم آثاره المنطقة بكاملها وليس إيران فحسب، وذلك لما لإيران من موقع استراتيجي هام /إطلالتها الممتدة على ساحل الخليج ـ محاذاتها للمحيط الهادي ـ حدودها الشاسعة مع الاتحاد السوفييتي/ إضافة إلى الدور الذي كانت تلعبه في حلف السينتو وعلاقتها مع العالم الغربي بخاصة الولايات المتحدة. ويؤكد العديد من الباحثين على أنّ الثورة الإسلامية انفجرت بفعل اشتداد تناقضات الأوضاع الداخلية والصراع الذي دار بين القوى الوطنية والإسلامية من جهة وبين قوى السلطة الشاهنشاهية من جهة أُخرى فقامت الثورة لتضع حداً لإمبراطورية الشاه متحدية بذلك جبروت النظام وأجهزته القمعية المتمثلة بالجيش والشرطة وجهاز /السافاك/.
ويمكن القول إنّ الثورة نضجت على خلفية تطور رأسمالي مشوه بسبب عاملين أساسيين:
أولاً: إنه تطور رأسمالي مع كل ما يرافق هذا التطور، بسبب تبعيته، من تشويه وأزمات وتفاوت اجتماعي صارخ.
ثانياً: إنّ هذا التطور مزدوج فهو برجوازي في مضمونه، إقطاعي في شكله، فالتطور الرأسمالي قاده الشاه الإقطاعي وحاشيته وأسهمت به الطبقة الإقطاعية بدولة ملكية مطلقة تستند إلى رصيد هائل من عوائد نفطية تكبر باستمرار، وقد تجلى التحديث الغربي في إيران وتميز بمايلي:
ـ ذهاب المليارات التي كانت تتدفق من الريع النفطي أو من نمو الإنتاج الصناعي والزراعي لمصلحة نخبة ضئيلة من أقطاب الصناعة والمصارف والنخبة البرجوازية البيروقراطية.
ـ تنامي النفقات العسكرية بوتائر سريعة لدعم طموحات الهيمنة الإقليمية الإيرانية، بما ينسجم واستراتيجية الإدارة الأمريكية، وكان معظم الإنفاق الحكومي يجري لمصلحة الاحتكارات الغربية، فقد بلغت النفقات العسكرية الإيرانية عام 1970 /900/ مليون دولار وقفزت إلى /20/ مليار دولار عام 1978.
ـ النمو المتسارع لرأس المال الكبير للشاه وحاشيته أنزل ضربة قاصمة بالفئات الوسطى التقليدية من الصناعيين والتجار والحرفيين.
ـ سياسة التحديث الرأسمالي لم تجلب للريف إلا الفقر والشؤم والخراب حيث ظل الفلاحون يواجهون خطر الخراب أمام المزارع الرأسمالية الضخمة التابعة للشاه وزبانيته.
ـ إنّ وجود طبقة برجوازية عصرية صناعية أدى إلى استغلال العمال استغلالاً فاحشاً بقوة القمع وحظر أي عمل سياسي أو تنظيم نقابي.
كل هذا أدى إلى أزمة ثورية، وإشعال حريق هائل أطاح بالشاه وأعوانه وأعلن عن قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
لقد شارفت إيران على أزمة المرحلة الثورية منذ ربيع العام 1978، ووجد المنعطف السياسي تعبيره المناسب في التظاهرات والاحتجاجات والإضرابات المتصلة التي بدأها الطلاب وامتدت لتشمل جميع قطاعات المجتمع الدينية منها وغير الدينية، ولم تفلح محاولات الشاه إضفاء طابع ليبرالي على سلطته من خلال خلق لعبة حزبين حكوميين، وظلت الملكية المطلقة هي السائدة كما كان عليه الحال في ظل حزب حكومي واحد يساق الإيرانيون إلى صفوفه بالكرباج. ولهذا اندفعت أغلب التجمعات الدينية السياسية ومن ثمّ جميعها باتجاه الإمام الخميني بعد أن توطد له المركز القيادي بعد مغادرته العراق(1).
ويمكن تقسيم تطور الحركة الثورية منذ بداية التظاهرات الطلابية وانتهاءً باحتلال قصر الشاه الإيراني (نيافار) إلى مرحلتين: تتسم الأولى بالنضال السياسي، وتتسم الثانية بتحييد المؤسسة العسكرية ومن ثمّ السيطرة عليها والانتفاضة المسلحة لحسم السلطة.
ولقد كان سلوك واشنطن متقلباً وقلقاً يحاول التشبث بأي مخرج كان يضمن بقاء الشاه، فقد اتصل الرئيس الأمريكي آنذاك بالشاه مؤكداً دعم بلاده الكامل له، وفتحت الإدارة الأمريكية ملفات انقلاب عسكري ممكن وضغطت لإجراء إصلاحات تمتص السخط الشعبي، وأخيراً اتصلت بالجبهة الوطنية بحثاً عن منقذ من خارج عربة الشاه وأتْبَعَت ذلك بفتح قنوات للاتصال بالتيار الديني لكن كل ذلك لم يُجدِ نفعاً، فقد كانت الحلول تجيء متأخرة دائماً وهذه نتيجة منطقية لإصرار الحركة الجماهيرية التي كانت ترعب النظام الذي كان يندفع لاستخدام الحراب، وما أن تفشل الحراب في إحراز نتيجة تذكر حتى يلجأ إلى إصلاحات جزئية، وحين تخيب هذه يعود إلى تلك، وأخيراً قالت الجماهير كلمتها تحت راية الإمام الخميني الذي كان يجسد طموحات الشارع الإيراني بحق، وتمكن بذلك في 11 شباط 1979 من تغيير مجرى تاريخ إيران بإعلانها نهاية الملكية المطلقة للشاه وأتباعه وولادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
3 ـ إيران ـ الثورة:
شهدت البشرية قيام ثورات اجتماعية تركت أثرها ليس على المنطقة التي نشأت بها فحسب لا بل على سير حركة المجتمع الإنساني برمته، ويجمع المفكرون على أنّ الثورة الفرنسية كانت أول ثورة عالمية حيث طُبع القرن التاسع عشر بالمفاهيم التي نادت بها والتي كرست في وثيقة حقوق الإنسان، وقد أنتجت هذه الثورة حروباً استمرت من 1769 إلى 1815 حيث شهد العالم ثورة صناعية وتبع ذلك إنتاج النظريات القومية في ألمانيا ثمّ امتدت إلى أنحاء العالم الأُخرى، وبالتالي فإن مفاهيم الثورة الفرنسية لم تصمد أمام العاصفة التي ولدتها نظريات التعصب القومي حيث غذّت الثورة الصناعية الاستعمار وقدمت له وسائل التسليح والفتك والتدمير وأخذت كل قومية تتحدث عن مداها الحيوي في العالم. وأتت الثورة العالمية الثانية متمثلة بالثورة الشيوعية التي نقلت مفهوم الصراع من القوميات إلى الطبقات على المستوى العالمي.
وقد جاءت الثورة الإسلامية في إيران بمثابة ثورة عالمية ثالثة نظراً لما تركته من آثار وخلّفته من ظروف دولية أدت إلى إعادة هندسة السياسة الكونية للقوى العالمية الأساسية. لقد كانت الثورة الإيرانية بمثابة الشعلة التي تمد الحركات الإسلامية بالمفاهيم الإسلامية، ساعية بذلك إلى إحياء الإسلام بما يناسب العصر، وانقسم العالم الإسلامي بين من هو متعصب للقديم وبين من يتبع منهجية الإسلام وفق مفهوم حديث يحافظ على جوهره وعلى مصالح أبنائه.
وقد أثبتت الثورة أنّ الإسلام تراث حي وغني ورحب وسريع الاستيعاب للثقافات المتنوعة، ولهذا فقد جاء انتصار الثورة كحدث بارز وهام في الشأن العالمي، فترددت أصداؤه في شتى أصقاع المعمورة مما ترك آثاراً ليس على صعيد الأنظمة الحاكمة فحسب بل وصل دويه إلى صميم ضمير الإنسان في كل مكان، الأمر الذي أقضّ مضاجع القوى المهيمنة على النظام الكوني التي تسعى لترسيخ ما تريد بالقانون المبني على مصالحها الاستثمارية المدعومة بالقوة العسكرية والمادية والإعلامية.
لقد قامت الثورة في وقت كان فيه الصراع على أشده بين القوى المهيمنة «الاتحاد السوفييتي ـ الولايات المتحدة» فالأولى تسعى للانتشار بوساطة العقيدة الشيوعية والثانية بما تقدمه للعالم من مفاهيم «الحرية والديمقراطية» وبما تقيمه من قواعد عسكرية وتنظِّمه من أحلاف، وكان أبرز ما أفرزه هذا التنافس استنفار العلماء لإبداع أقوى الأسلحة وأشدها فتكاً بالبشرية.
لقد اعتبر الغرب أنّ الثورة تشكل خطراً دائماً على النظام القائم في العالم، فبعد أن وصفها هنري كيسنجر بالثورة العالمية الثالثة أكد أنه سيكون لها تأثير عالمي كبير، في حين قال عنها رئيس وزراء الكيان الصهيوني الأسبق /بيغن/ بأنها الزالزال، ولهذا تنادى رؤساء الدول الغربية إلى الاجتماع في /غواد لوب/ واستعانوا بأشهر علماء التاريخ والاجتماع في بلادهم لدراسة هذه الظاهرة الفريدة نظراً لخطورتها وأبعاد مدلولاتها، وليس من السهل فهم كيف استطاع شعب أعزل مثل الشعب الإيراني أن يزيل نظاماً راسخاً ومزوداً بأحدث الأسلحة وأقوى الأجهزة الأمنية فضلاً عن الإمكانيات الضخمة المدعومة من القوى العظمى وكيف تمكن هذا الشعب من الانتصار بالوسائل المتوفرة لديه.
إنه لحدث فريد ليس له سابقة، لكن فات علماء الغرب وقادته إدراك القوى الخلاقة الكامنة في العقيدة الإسلامية وفعلها المؤثر في الوجدان الإنساني.
 
ثالثاً ـ الإمام الخمينـي ومشروعه الثوري الإسلامي
1ـ شخصية الإمام الخميني والعوامل المؤثرة في تكوينها:
بالطبع إن شخصية أي إنسان تحكمها مجموعة من المؤثرات الخارجية والداخلية، ويتجاذبها عادةً عاملان هامان، هما: الموهبة والاكتساب.. وتتحد معالم أية شخصية في ضوء هذين العاملين..، فإذا طغت الموهبة كانت الشخصية موهوبة، وإن طغى الاكتساب فإنّ الشخصية تأخذ منحى الاجتهاد، ويقال عنها: شخصيةٌ مجتهدةٌ، والموهوب في علم النفس يوصف بالعبقري، أما المجتهد فيوصف بالألمعي..، وقلّما تجتمع الصفتان في شخص رجلٍٍ واحد، على أنهما اجتمعتا في شخص الإمام الخميني بفعل عوامل عدة، كالبيئة والوراثة والتربية:
آ ـ عامل البيئة: ونعني به المحيط الاجتماعي الذي يحيط بالشخصية، وما يحمله هذا المحيط من قيم وأفكار ومعتقدات...
بـ عامل الوراثة: الذي تتحدد بموجبه إمكانيات الفرد وطاقاته الجسدية والأخلاقية والعقلية، وكيفية استخدامها والاستفادة منها في نقل الخصائص والصفات من الآباء إلى الأبناء..، وفي تكوين الشخصية وبنائها..، وهذا ما يفسر اهتمام النبي (e) بهذا الجانب، ودعوته إلى حُسْن اختيار الأزواج، كما في الحديث الشريف: «أيها الناس! إياكم وخضراء الدِّمن»، قيل: وما خضراء الدِّمن يا رسول الله؟ قال:
«المرأة الحسناء في المنبت السوء».
جـ وأما العامل الثالث الذي هو عامل التربية: فإنه يشكل مفصلاً حيوياً وهاماً في تكوين شخصية الإنسان التي هي في المحصلة خلاصة العوامل الثلاثة مجتمعةً، على أنّ هذا العامل تكمن خطورته في أنه إذا ما أُسيء استخدامه تحولت نتائجه وبالاً على تكوين شخصية الفرد.. فالتربية هي جملة البرامج العلمية والمناهج التربوية التي تصقل الشخصية وتوجهها وترسم أبعادها، فإذا كان الصَّقْلُ على القيم الحميدة والأخلاق النبيلة والتحريض على تقديم ما هو نافع للمجتمع، وجدنا أنفسنا أمام أُمةٍ ناهضةٍ متسلحةٍ بمكارم الأخلاق، وإذا كان الأمر عكس ذلك انحدرت الأُمة وأصبح أفرادها عالةً عليها.. باختصار نقول: إنّ عامل التربية هو خلاصة عمل المربي وثمرةُ جهده التي يبثُّها في الناشئة.. وهذا ما حضت عليه التعاليم السَّمحة لرسالة نبيّ الأُمة محمد (e)، ومما روي في هذا السياق عن الإمام /علي الرِّضا/
ـ عليه السلام ـ أنه قال: جاء رجلٌ إلى النبيّ (
e)، فقال: يا رسول الله! ما حق ابني هذا عليَّ؟ قال (e): «أنْ تُحسن اسمه وأدبه، وأن تضعه موضعاً حسناً».
خلاصة القول: «الشخصية بناءٌ، جدرانه الجسد وسواميكه الخُلُق وجذوره العقل، وبالتالي فإنّ الشخصية مجموعةٌ من الصفات البدنية (الجسدية) والخُلُقية والعقلية التي يتصف بها الإنسان، سواء أكانت حسنةً أم سيئةً، وهذه الصفات تُوهَبُ بالفطرة وتُكْتَسبُ بالتربية». وبالحَسَن من هذه الصفات ارتسمت شخصية الإمام الخميني وتكونت معالمها الثورية وأخذت أبعادها الأخلاقية والاجتماعية التي أسست فيما بعد للمشروع الثوري الإسلامي في إيران..
2 ـ مكانة الإمام الخميني الأخلاقية والاجتماعية:
فماذا إذاً عن تلك الأبعاد؟ وماذا عن المكانة الأخلاقية والاجتماعية التي تبوأها الإمام الخميني؟!.
لعل أبرز ما كان يتميز به الإمام الخميني من خصال أخلاقية حميدة وسيرة اجتماعية نبيلة هو أنه كان يتمتع بشجاعة نادرة وعزيمة لا تعرف التردد، كما عرف عنه الصبر على الشدائد وتحمل المكاره... جَمَعَ من مكارم الأخلاق ومحاسنها ما لا يتسع لذكره في هذه العُجالة السريعة.. نذكُرُ من ذلك على سبيل المثال: التواضع مع الاعتدال، والزهد مع الإيمان بالسعي إلى الهدف الذي يبغيه.. إضافةً إلى الحكمة في القول والرجاحة في العقل، والدِّقة في سداد الرأي والوفاء مع الوعد.. وقد أفرد الدكتور مصطفى الرافعي فصلاً كاملاً عن الصفات الأخلاقية والاجتماعية لدى الإمام الخميني.. في كتابه (الإمام الخميني).
3 ـ مشروع الإمام الخميني الثوري الإسلامي:
إنّ مشروع الإمام الخميني الثوري الإسلامي مستوحى من الآية الكريمة: )الصراط المستقيم(، وهو من حيث المضمون يُعَدُّ استمراراً لما أقره الأنبياء ورسالاتهم، ولما دعا إليه أئمةُ المسلمين، وقد سُمّي هذا المشروع
بـ /خط الإمام/ الذي أخذ بالشمولية والارتباط بالأصالة، واعتماد صفة «ولاية الفقيه»، وشعار «لا شرقية ولا غربية»، إذ أنّ المعروف أنّ أية ثورة في العالم تولد في خضمِّ تيارات حضارية متعددة، وبالتالي فهي لابدّ أن تتجاذبها مجموعة من مفاهيم هذه التيارات وأفكارها وقيمها... وإلا أننا نكاد نَجْزِمْ أنّ ثورة الإمام الخميني هي واحدة من الثورات النادرة في التاريخ التي استطاعت أن تحافظ على نقاء الفكر وأصالة الانتماء إلى رسالةِ سيد البشر ونبيِّ الأمة محمد بن عبد الله (
e)، فكانت نسيجاً متفرداً: فكراً ونهجاً...
إضافة إلى ما تقدم فإنّ الثورة ـ بوصفها مشروعاً ثورياً إسلامياً ـ كانت دعوةً للعودة إلى الارتباط بالله (سبحانه وتعالى)، والتمسك بتعاليم دينه، عملاً بقوله «عز من قائل»: )ومَنْ أحْسَنُ قولاً ممن دعا إلى الله، وعمل صالحاً، وقال إنني من المسلمين((1).
يبقى أن نشير إلى أن من أروع ما انطبعت فيه ثورة الإمام الخميني الإسلامية هو أنها جاءت استجابة لنداء المستضعفين في الأرض، فتبنت قضايا هؤلاء المستضعفين، ورفعت لواء الدفاع عنهم في أي موقع كانوا، حتى صارت مهمة هذه الثورة تخليص الإنسان من الطاغوت وتحريره من العبودية لغير الله ـ عز وجل..
من هنا ندرك لماذا الإمام الخميني ـ طيب الله ثراه ـ دافع عن
القضية الفلسطينية والقدس الشريف بروح الثائر المؤمن بالحق والعدالة والحرية..
ولعل تبني الثورة قضايا المستضعفين هو الذي جعل منها ثورة شعبية ذات طابع جماهيري منفتح على شؤون المجتمع وأحواله وهموم أفراده، وهو الذي جعل أيضاً من القوى الجماهيرية (الشعبية) المؤمنة بأفكار الثورة حاضناً لمشروع الإمام الخميني ومحركاً له.

خاتمــة:
يؤكد تاريخ العلاقات السورية ـ الإيرانية منذ انطلاقتها الحقيقية بعد الثورة الإسلامية 1979 والتي تخللها لقاءات قمم عديدة كان آخرها لقاء القمة في طهران في كانون الثاني 2001 بين السيد الرئيس بشار الأسد والرئيس محمد خاتمي، إضافة إلى اجتماعات كثيرة للجان الفرعية والاختصاصية من الجانبين على مختلف المستويات، إن التعاون الثنائي بين دمشق وطهران كان مثمراً في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية وغير ذلك من المجالات، انعكس إيجاباً على مصالح الشعبين في سورية وإيران.
كما أكدت الأحداث والتطورات أنّ هذه العلاقات لم تكن علاقات تكتيكية عابرة، وإنما علاقات استراتيجية استندت إلى مجموعة من الركائز التي شكلت قواسم مشتركة ومنحت هذه العلاقات قوة، وأوصلتها إلى هذا المستوى الرفيع من التطور، الذي يُعد نموذجاً للعلاقات بين الدول، وهذا ما أكده الرئيس بشار الأسد خلال زيارته إلى طهران في كانون الثاني «2001» بقوله: «إن العلاقات المتطورة بين البلدين لم تنطلق من فراغ، بل لها جذور في سياسة وأهداف البلدين ونضالهما من أجل حقوق شعوب المنطقة والتصدي لأشكال التآمر والعدوان كافة التي تستهدف العالمين العربي والإسلامي». إنّ مثل هذه الركائز في العلاقات السورية ـ الإيرانية يؤسس لمستقبل واعد في هذه العلاقات، ويجعلها عصيّة على كل المؤامرات، مهما تعددت أشكالها وأنواعها.
وستظل الثورة الإسلامية الإيرانية التي قادها الإمام الخميني من أهم الأحداث البارزة في النصف الثاني من القرن العشرين، وستبقى شاهداً على عظمة شعب وعبقرية قائد أطلق شرارة انتصارها، مرتكزاً على عقيدة إيمانية راسخة، مشروعها تحرير الإنسان من كل أشكال العبودية والاستغلال، والدفاع عن الأمة الإسلامية وهويتها وحقوقها وإعلاء شأنها مسترخصين كل غالٍ وثمين في سبيل تحقيق هذه الأهداف.


(1) من كلمة القائد الخالد حافظ الأسد في مأدبة العشاء التي أقامها على شرفه الرئيس الإيراني السابق هاشمي رفسنجاني في طهران 1990/9/22.
(2) لابد من الإشارة هنا إلى أنّ العلاقات السورية ـ الإيرانية تعود بدايتها إلى مرحلة ما قبل الثورة، إذ حصل تقارب بين سورية وإيران عام 1974 توج بتوقيع اتفاق اقتصادي، ثمّ بزيارة القائد الخالد حافظ الأسد إلى طهران عام 1975، ونجم هذا التغيير في سياسة الحكم من الضغوط الداخلية على الشاه، ثمّ تراجع هذا التقارب بشكل ملحوظ لأسباب تتعلق بإيران ونظام الشاه، وكان من أهم المؤشرات على هذا التراجع في التقارب السوري ـ الإيراني آنذاك عرض القائد الخالد حافظ الأسد عام 1978 لاستقبال الإمام الخميني في دمشق، وتقديم مختلف أنواع المساعدات التي تمكِّن من انتصار الثورة.
(1) في سياق هذا البحث نشير إلى شكل واحد من أشكال الضغوط التي تعرضت لها سورية في الثمانينيات جراء موقفها من الحرب العراقية ـ الإيرانية، وهذا الشكل من الضغوط هو الضغوط الإعلامية، فسورية محاصرة بـ 52 جريدة يومية، وبأكثر من مائة عمود صحفي يومي وبـ 25 مجلة أُسبوعية إضافة إلى مئات الساعات من البث الإذاعي والتلفزيوني، وكل هذه الأقلام حاولت التحريض ضدّ الموقف السوري، مستخدمة كل أشكال وفنون الدعاية والإعلام المقروء والمرئي والمسموع.
لكن بعد مرور أكثر من عشر سنوات وحدوث الكثير من المتغيرات في المنطقة وفي مقدمتها حرب الخليج الثانية 1991، أصبحت هذه الصحف والمجلات تتفق في افتتاحياتها مع افتتاحيات الصحف السورية، وإن دل هذا الشيء فإنما يدل على صوابية الرؤية الاستراتيجية للقائد الخالد حافظ الأسد حيال القضايا الأساسية المصيرية للأمة العربية.
(1)حلف السينتو: هو اسم لحلف بغداد بعد أن انسحب منه العراق في آذار 1959 الأمر الذي أدى إلى نقل مقر الحلف إلى أنقرة وتغيير اسمه في آب 1959 ليصبح حلف المعاهدة المركزية /السينتو/ وبعد الإطاحة بحكم الشاه في إيران في ثورة 1979 انسحبت الحكومة الإيرانية الجديدة من الحلف. ثم تبعتها باكستان وأخيراً تركيا ولم يبق فيه سوى بريطانيا وبذلك فقد الحلف مبرر وجوده واعتبر في حكم المنتهي فعلاً، أما حلف بغداد فهو اتفاقية عسكرية أبرمت في شباط 1955 بين العراق وتركيا بوحي من الدوائر الاستعمارية الغربية وانضمت إليه كل من بريطانيا ـ الباكستان ـ إيران في العام نفسه وعُرف باسم حلف بغداد /مقر الحلف/.
(1) جدير بالذكر أن آية الله الخميني كان قد رفع راية الثورة عام 1963 معلناً أنّ الشاه قد باع البلد للإمبريالية ومنح المستشارين العسكريين الأمريكيين الحصانة القانونية، ولما تفاقم الوضع وأغلقت إيران أسواقها في طول البلاد وعرضها دعماً للخميني، هاجمت قوات نظام الشاه المتظاهرين المسالمين وقتلت الآلاف منهم في طهران وحدها، ثمّ قامت حكومة الشاه بنفي آية الله الخميني خارج إيران.. ومن مقر إقامته في أكثر من دولة كان على اتصال بالشارع الإيراني، يخطط ويقود هذا الشارع لإسقاط نظام الشاه.
(1) صورة فُصِّلت ـ الآية 33.


 
 
(DWB)جميع الحقوق محفوظة معلومات بلا حدود

Powered by Platinum Inc